لدراسة أهمّ الفوائد الوجودية للإمام صاحب الزمان (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) في زمن الغيبة، ينبغي الالتفات إلى أمورٍ من قبيل فوائد الشمس من وراء السحاب للناس، والتوسّل، والتشرّف بخدمة الإمام صاحب الزمان (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)، وتحقيق القيمة الرفيعة للإيمان لدى المؤمنين في زمن الغيبة، وإخضاع ذلك كلّه لتقييم علمي دقيق. كما يمكن تصوّر فوائد للغيبة نفسها، ويكون البحث فيها ذا أهمية، وسيكون مفتاحًا لمعالجة المسائل الاجتماعية في مجتمع المسلمين.
بيان الفوائد الوجودية للإمام صاحب الزمان عجّل الله تعالى فرجه الشريف في فترة الغيبة
المقدمة
في العصر الحاضر، لا يمكن العيش في أي بلد بدون رئيس جمهورية أو ملك. وقد أدرك جميع الناس أنه لا يمكن انتظار مجتمع مُدار من دون قائد. لذلك فإن أصل وجود القائد ضروري من وجهة نظر جميع الناس، إلا أنه مع المشكلات الموجودة في جميع البلدان، وصل الناس إلى الاعتقاد بأن لا أحد كامل ولا يقدر على إدارة المجتمع بلا نقص. لكن الحقيقة أنّ الله تعالى دبّر لهذا الأمر، وجعل حجّته في كل زمان بين الناس.
ومن مزايا الشيعة على سائر الناس أنهم يعتبرون أنفسهم تحت ولاية إمام، ويقبلون قيادته ويطيعونه، ويعتقدون أن الله تعالى جعل لهم في كل زمان إمامًا وقائدًا. إمامًا يحيط علمًا بجميع شؤون الدنيا، وبالحقائق التي وراء الستار.
وكما أُشير، فإن وجود حجة الله في كل زمان ضروري، وإذا لم يكن في الأرض لفسدت الأرض. ووجود الإمام، وإن كان غائبًا عن أعين الناس، فله فوائد سنبيّن بعضها في هذه الكتابة.
الإمام الغائب، الشمس من وراء السحاب
قسم الله تعالى في سورة الشمس المباركة على أمور متعددة، وبما أن الإنسان حين يقسم إنما يقسم على ما هو عزيز عليه وعلى مخاطبه، يمكن أن نستنتج أن الله تعالى كان دقيقًا في اختيار ما أقسم به.
في الآية الأولى من سورة الشمس، أقسم الله تعالى بالشمس: «وَٱلشَّمْسِ وَضُحَاهَا» وقد ذُكر في التفاسير أن المراد بها النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)، ولكن بالنظر إلى الروايات المتعددة التي تدل على أن أهل البيت (عليهم السلام) يمتلكون فضائل النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)، يمكن الاعتقاد بأن أحد مصاديق «الشمس» هو الإمام صاحب الزمان (عجّل الله تعالى فرجه الشريف). ثم نزل في الآيات التالية: «وَٱلنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا» أي والقسم بالنهار حين يُظهرها، والمراد بذلك اليوم هو يوم ظهور الإمام صاحب الزمان (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) الذي يضيء بنوره لا الأرض فحسب بل العالم.
يشبّه النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) ابنه المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) بشمس يفرح بطلوعها أهل الأرض والسماء. وفي رواية أخرى، سأل جابر بن عبد الله الأنصاري النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله): هل ينتفع شيعتك من قائمك (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) وهو غائب؟ فقال النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله): والذي بعثني بالحق نبيًّا، إنّ شيعتي لينتفعون بنوره، وينتفعون بولايته، كما ينتفع الناس بالشمس من وراء السحاب.
ومن اللازم، لتوضيح فوائد الإمام الغائب، أن نحلّل هذه الرواية الشريفة، ونطبّق خصائص الشمس من وراء السحاب على الإمام الغائب، لنفهم بشكل أفضل كلام النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله).
النموّ والازدهار الشمس، حتى من وراء السحاب، تضيء الأرض، ويحيط نورها بجميع ذرات الأرض، وتكون سببًا لنموّ النباتات والكائنات الحية. وهكذا الإمام صاحب الزمان (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) من دون أن يراه الناس، بنور وجوده وبالولاية التكوينية يكون واسطة بين الخلق والخالق، ويهيّئ سبب نموّهم وتكاملهم. وفي الحقيقة يمكن القول: كما أن الشمس من وراء السحاب تكون سببًا لنموّ جميع الكائنات الحية على الأرض وتعاليها، ولا فرق في ذلك بين أنواع الأزهار والأشجار، فكذلك الإمام الغائب من وراء حجاب الغيبة يهيّئ أسباب النموّ والتعالي للإنسان بل لجميع العباد. وهو التعبير الذي أشارت إليه الروايات أيضًا من أن رزق جميع الناس يأتي من ناحية إمامهم.
محلّ القرار للشمس دائمًا محلّ معيّن، ولا يمكن القول إنها خرجت من السماء، وحتى لو كانت وراء السحاب فإن الناس لا يشكّون في وجودها في السماء ويعتقدون به. وكذلك وجود الإمام صاحب الزمان (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)، وإن كان غائبًا عن الناس، فهو قطعًا على كرة الأرض، ولا ينبغي الشك في حضوره في الأرض بل يجب الاعتقاد به. وكما يحصل اليقين بوجود الشمس، وإن كانت وراء السحاب، من خلال نورها الخاص الذي يكون سببًا لإضاءة النهار، كذلك يحصل اليقين بوجود الإمام صاحب الزمان (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) بالتأمّل في عناياته تجاه الشيعة، وكذلك بدراسة قصص تشرف الناس بخدمته.
عدم الضلال للشمس، حتى إذا كانت وراء السحاب، نور يمكن به تمييز الطرق، والوعي بالمخاطر الموجودة في الطريق. كرؤية مطبّ صناعي عند القيادة في النهار، فإنه واضح تمامًا، أما في الليل المظلم، من دون أي إضاءة أخرى، فيصعب الوعي بوجوده ويزيد خطر الاصطدام كثيرًا. وكذلك وجود الإمام صاحب الزمان (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)، بنوره يكون سببًا لإضاءة طريق الهداية، وإذا بحث الناس عن طريق الهداية أمكنهم إيجاده باستخدام نوره، فيسيرون في طريقهم من دون أي خطر.
الحركة وعدم الثبات ثبت في علم الفلك أن للشمس حركات فلكية، وأنها تتحرك في مدار خاص. والإمام صاحب الزمان (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) أيضًا لا يكون حاضرًا بشكل ثابت في مكان خاص، بل يتحرك في الأرض. إنه يسير في مساره المعيّن، ولكن الناس العاديين لا يعرفون أين يكون. يترك آثار وجوده في بلدان مختلفة، ولكن لا يراه أحد إلا بعين المعرفة.
انتظار الناس إذا كانت الشمس وراء السحاب، خصوصًا إذا طال هذا الوضع، فإن الناس ينتظرون خروج الشمس من وراء السحاب ليشهدوا مرة أخرى سماءً زرقاء بلا سحاب. وهكذا حال عشاق الإمام صاحب الزمان (عجّل الله تعالى فرجه الشريف): مع انتفاعهم بنوره المقدّس، ينتظرون حضوره بين الناس وانتهاء عصر الغيبة.
سعة النطاق للشمس إحاطة بالمنظومة الشمسية، وجميع الكواكب والموجودات الحاضرة في هذه المنظومة تنتفع بوجودها. والإمام صاحب الزمان (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) أيضًا ليس محدودًا بكرة الأرض فقط، بل إمامته بين جميع مخلوقات الله تعالى. وكما أن الشمس من وراء السحاب إنما تُرى في منطقة خاصة وراء السحب، وقد لا يكون في مناطق أخرى أي سحاب أمامها، فكذلك الإمام صاحب الزمان (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) يكون على كرة الأرض في حالة الغيبة، وربما يكون له حضور فعّال في العوالم الأخرى.
غيبة الناس الشمس من وراء السحاب حاضرة في هذا الكون، ولا غيبة تتوجه إليها، ولكن الناس هم الذين لا يمكنهم رؤية الشمس بسبب المانع الحاصل، أي مجيء السحب. وكذلك الإمام صاحب الزمان (عجّل الله تعالى فرجه الشريف): إنه حاضر على كرة الأرض كسائر الناس العاديين، ولكن الناس لا يمكنهم معرفته. بمعنى أن الناس فقدوا لياقة رؤيته، فحصلت الغيبة بالنسبة إليهم. ولهذا تُنقل تقارير متعددة عن لقاء أشخاص مختلفين بالإمام صاحب الزمان (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)، لأن أصل رؤيته ليس محالًا، وإنما ينبغي إزاحة السحب السوداء للذنوب وملاقاته بقلب طاهر مزكّى.
فوائد الغيبة بالنظر إلى الروايات المذكورة وتشبيه الإمام الغائب بالشمس من وراء السحاب، يمكن تصوّر فوائد للغيبة:
فهم مكانة الإمام وقدره كثيرًا ما يحدث في الحياة أن يكون للإنسان نعمة في يده فيكون غير مبالٍ بها، ولكن بعد أن يفقدها يدرك مكانتها في حياته ويتمنى عودتها. ربما يمكن القول إن هذا الأمر نفسه حدث بشأن حضور أهل البيت (عليهم السلام) بين الناس. فالناس في زمن الحضور كانوا ينتفعون بنعمة حضور الإمام بينهم، وقد اعتادوا على حضوره، ولكن مع بدء عصر الغيبة الصغرى أدركوا هذه النعمة قليلًا، إلا أن ذلك لم يكن كافيًا، وفي زمن الغيبة الكبرى انقطع وصول الناس إلى الإمام، لعلّ الناس يدركون القيمة العالية لمقام الإمام ويعرفون مكانته، وبعد ظهور الإمام صاحب الزمان (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) يكونون واعين بمكانته.
فهم عدم كفاءة غير المعصومين بالنظر إلى حضور أهل البيت (عليهم السلام) نحو 250 سنة بين الناس، يمكن أن تكون غيبة الإمام صاحب الزمان (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) سببًا لأن يؤمن الناس، ولا سيما الشيعة، بعدم كفاءة غير المعصومين. فخلال سنوات الغيبة وُجدت حكومات مختلفة، وبدأت كل واحدة منها حكمها بدافع إقامة الصلح والعدل بين الناس، ولكن عند دراستها بدقة نجد أن أيا منها لم تكن قادرة على تنفيذ العدل، وهذا أمر طبيعي جدًا؛ لأن الله تعالى وعد بإقامة الصلح مع ظهور الإمام صاحب الزمان (عجّل الله تعالى فرجه الشريف). والناس في هذا الزمان، بإدراكهم الحكومات المختلفة ومن طبقات وأقوام شتى، يجدون أن لا حكومة كانت كاملة، وأنهم بحاجة إلى حكومة عالمية واحدة.
الطلب من الله ربما يمكن عدّ أحد فوائد الغيبة، أو بعبارة أخرى إحدى حكم الغيبة، طلب الناس من الله تعالى. فكما أن الناس في زمن موسى (عليه السلام) طلبوا من الله تعالى إرسال رسول وحجة للتخلص من ظلم فرعون واضطهاده، كذلك ينبغي للناس في زمن الغيبة أن يطلبوا من الله تعالى الفرج وانفراج أمورهم، ليخلصوا من الظلم والاضطهاد الذي بلغ ذروته في آخر الزمان، وليحكم العدل العالم ببركة ظهور الإمام صاحب الزمان (عجّل الله تعالى فرجه الشريف).
رعاية الاحترام حفظ احترام أهل البيت (عليهم السلام) من أهم التعاليم الدينية والاعتقادية للشيعة، وقد كان هذا الاحترام في زمن حضورهم بين الناس أقلّ بكثير، وكانت منزلتهم ومكانتهم بين الناس موضع غفلة كبيرة. ومن فوائد غيبة الإمام صاحب الزمان (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) أن احترامه سيُراعى مع ظهوره مرة أخرى، وسيعرف الناس قدر هذا الوجود المقدس.
مكانة الناس في زمن الغيبة وردت روايات كثيرة بشأن إيمان أهل آخر الزمان لا يمكن أن تنعكس جميعها في هذا المقال. وعلى سبيل المثال، يقول أمير المؤمنين علي (عليه السلام) في إحدى خطبه: «وَيَا شَوْقَاهْ إِلَى رُؤْيَتِهِمْ فِي حَالِ ظُهُورِ دَوْلَتِهِم» أي: إني مشتاق إلى رؤيتهم - أي أهل آخر الزمان وزمن الغيبة - حين ظهور دولتهم. كما اشتهرت رواية النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) في هذا الموضوع حيث قال: «هَاهْ شَوْقًا إِلَى إِخْوَانِي مِنْ بَعْدِي فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ يَا رَسُولَ اللهِ أَلَسْنَا إِخْوَانَكَ قَالَ لَا أَنْتُمْ أَصْحَابِي وَإِخْوَانِي يَجِيئُونَ مِنْ بَعْدِي» أي: شوقًا إلى إخواني الذين يجيئون من بعدي. فسأل أبو ذر: يا رسول الله، ألسنا إخوانك؟ فقال: لا، أنتم أصحابي، وإخواني يجيئون من بعدي. ثم يبيّن في تتمة الرواية صفات هؤلاء، ويقول في عبارة: «وَنَظْرَةٌ إِلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَظْرَةٍ إِلَى بَيْتِ اللهِ الْحَرَام» أي: النظر إلى واحد منهم أحبّ إليّ من النظر إلى بيت الله الحرام. ومن مجموع الروايات المنقولة في هذا الموضوع يمكن أن نستنتج أن أهل آخر الزمان وقبل الظهور، إذا حفظوا الدين والاعتقادات، يكونون من أحبّ عباد الله، ويكونون موضع عناية كبيرة من أهل البيت (عليهم السلام).
النتيجة بالنظر إلى ما ذُكر ودراسة الروايات المنقولة عن أهل البيت (عليهم السلام) نجد أن وجود الإمام صاحب الزمان (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) المقدس في زمن الغيبة كالشمس من وراء السحاب، ولا شك أن هذه الغيبة ليست بلا حكمة. وكما أن الشمس من وراء السحاب لها فوائد، مثل تهيئة مجال النموّ والازدهار للنباتات، وكونها علامة وهداية لعدم ضلال الناس، وهكذا الإمام صاحب الزمان (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) في زمن الغيبة له فوائد للناس، وليس الأمر بحيث يظن أحد أن غيبته جعلت الناس محرومين تمامًا من وجوده. ولكن مع ذلك، فإن حضوره بين الناس له فوائد أكثر، وإن شاء الله بظهوره الموفور السرور سننتفع جميعًا بهذا الوجود العزيز.
Article Summary: لدراسة أهمّ الفوائد الوجودية للإمام صاحب الزمان (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) في زمن الغيبة، ينبغي الالتفات إلى أمورٍ من قبيل فوائد الشمس من وراء السحاب للناس، والتوسّل، والتشرّف بخدمة الإمام صاحب الزمان (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)، وتحقيق القيمة الرفيعة للإيمان لدى المؤمنين في زمن الغيبة، وإخضاع ذلك كلّه لتقييم علمي دقيق. كما يمكن تصوّر فوائد للغيبة نفسها، ويكون البحث فيها ذا أهمية، وسيكون مفتاحًا لمعالجة المسائل الاجتماعية في مجتمع المسلمين.

Comments - 00
No comments have been published for this article yet.